
لم تكن الغيبة قصيرة، قبل عودة السيارات النفيسة العليا مع موديل مايباخ الذي أطلقته مرسيدس - بنز حديثاً جداً، في إخراج بلغ من الأناقة والغنى التقني ما أعاد إلى مفاهيم الـ "رولز رويسية" التقليدية بعداً إفتقده زبائن هذه السيارات منذ عقود عدة.
وها هي رولز رويس تطلّ بدورها اليوم، في حلتها الألمانية تقنياً (تملكها بي.أم.في)، ولو كان التصميم الخارجي إنكليزياً، شأنه شأن المقصورة الإنكليزية التلبيس، بعضهم شبهها بدبابة، وبعض آخر لا يزال يبحث عن طريقة للتعوّد على مظهرها وتبرئتها من تهمة التكلّف.
ثم جاءت كاديلاك سكستين التي ظهرت في معرض ديترويت الدولي الأخير للسيارات.
قد يسهل تصميم كوبيه أو كابريوليه أو رودستر، أو حتى سيدان ديناميكي، في مظهر يصعب تحويل الأبصار عن جاذبيته. لكن أن تصمّم سيدان من الفئة النفيسة العليا، تلك المخصّصة لزبائن مستعدين لدفع أكثر من ربع مليون دولار لاقتنائها، بجاذبية كتلك التي خرج بها نموذج كاديلاك سكستين، فتلك معادلة لا يتقنها إلا خبراء قليلون جداً... مثل بوب لوتز، نائب رئيس مجلس إدارة كرايزلر كوربورايشن سابقاً، والذي ضمته جنرال موتورز مطلع أيلول (سبتمبر) 2001، لتنشيط صورة ماركاتها وموديلاتها المختلفة.
هل تنتج سكستين؟
رسمياً، لم يعلن القرار بعد لكن دخوله حيز الإنتاج غير قابل للجدل خلال ثلاث أو أربع سنوات. فأي ناظر إلى النموذج لن يتردّد لحظة واحدة في اعتبار التفكير طويلاً بالأمر، من الأخطاء التي قد يعاد تذكير جنرال موتورز بها لسنوات كثيرة. ومن يذكر موديلات كاديلاك منذ عقود قليلة يدرك فوراً بأن هذا هو ما تحتاج إليه كاديلاك تحديداً، لا لزيادة حجم مبيعاتها على النحو الذي يمكن أن تتقنه موديلات مثل إسكالاد الترفيهي الرياضي، أو كروسوفر SRX، أو سيدان CTS، بل لإعادة صورة الماركة إلى موقعها الطبيعي.
طبعاً، يمكن لكاديلاك أن تسعى إلى منافسة الألمان في قطاعات CTS، واليابانيين وغيرهم مع SRX وإسكالاد، لكن أي موديل لن يمنح صورتها قوة "إشعاع" ماركتي مرسيدس - بنز وبي.أم.في، إلا إذا...
... إلاّ إذا أصابت الماركة الأميركية أخيراً صميم صورة الفخامة على النحو الممكن تحقيقه بموديل مثل سكستين. فمن يقول مثلاً بأن طول النموذج الذي يظهر برشاقة كوبيه ونعومته، لا يقلّ عن 5,73 أمتار، بعرض 2,03 متر، مع قاعدة مقياسها 3,556 أمتار؟ بل يذهب نموذج سكستين إلى أبعد من ذلك بكثير، إذ حلّ صعوبة معادلة "الفخامة" بجاذبية تفوق ما حققه الألمان مع مايباخ، من دون التحدث عن رولز رويس فانتوم التي ترقى، بطبيعة الحال، إلى ما يغنيها عن "تفاهات" الجاذبية.
فنموذج سكستين مثلاً لم يلجأ لا إلى الإختلاف ببابين خلفيين يفتحان في الإتجاه المعاكس، مثل رولز رويس فانتوم، أو حتى إلى طلاء خارجي مزدوج. نقاؤه التصميمي المطعّم بلمسات اللماعية الفخمة في عجلاته وفي فتحاته الجانبية أمام البابين، وفي غياب أي عمود بين البابين الأمامي والخلفي، وفي غطاء الصندوق الأمامي المزدوج فوق المحرك الكرومي اللماعية... كلها من اللمسات الأنيقة التي تذكر، خصوصاً مع التصميم الخلفي، بهوية كاديلاك في أيام عزها... الماضية. فالشاحنات الخفيفة تقوي مبيعات كاديلاك، لكنها لن تعطيها يوماً صورة الفخامة الحقيقية، تلك المتجانسة مع هوية تاريخ موديلاتها السيدان والأخرى الرياضية، أو تلك التي تمكنها من مجاراة الألمان فعلاً.

المنافسة بالهوية
ما يمكن أن يضيفه موديل مثل سكستين إلى صورة كاديلاك ككل، بل حتى إلى صورة جنرال موتورز بكاملها، قد يتعدى أضعاف ما يمكن تحقيقه مع أي موديل آخر، ولو كان الأخير رودستر XLR. فإبراز الأناقة والفخامة بحجم مثل حجم سكستين، ليس من التصاميم التي تمر غالباً في صناعة السيارات.
وهو ما تحتاج إليه كاديلاك تحديداً، لأنها لا تحتاج إلى منافسة الألمان في لعبتهم، مثلما فعلت مع كاتيرا أمس ومع CTS اليوم، ولا حتى مع XLR. ما تحتاج إليه كاديلاك هو منافسة الألمان بهويتها الأميركية بالذات، لا بتصنّع "الألمنة". ألم يكن إسم كاديلاك أصلاً من الأسماء القليلة التي كانت تضرب بها الأمثال، مثل رولز رويس، وقبل ولادة فخامة بي.أم.في وإسم لكزس بعقود وعقود؟ كل ما في سكستين ينطق بهوية كاديلاك... أميركية بحتة لسبب بسيط هو أنه لا يشبه، أو يسعى إلى التشبّه، بأي عرض ألماني معروف. ألا تحتاج كاديلاك إلى موديل يتشبّه به المنافسون، لا العكس؟ ضع مايباخ ورولز رويس وسكستين جنباً إلى جنب والصورة وحدها ستجيب، من دون أي تعليق. فإن بدت مايباخ كالنحلة قرب "آلية" مثل رولز رويس فانتوم، تتحول الأولى سريعاً إلى "سيارة ضخمة"، نفيسة وغنية وكل ما تشاء، لكن ضخمة قبل أي شيء... قرب نموذج كاديلاك سكستين. وهو مفتاح إختلاف الأخير، وسره.
لكن تغليف ضخامة مقاييس سكستين بنعومة تصميمه الإنسيابي أو الأخاذ، لا ينتقص من معنوياته الرياضية على الإطلاق... فالآتي أعظم: المحرك ومضمونه التقني الذي لا يخلو من "رسالة" تسعى جنرال موتورز إلى التعريف بها منذ مدة.
رسالة من 16 أسطوانة
طبعاً، تبدأ مواصفات المحرك من زاوية الضخامة المعتمدة في هذا النوع من الموديلات. فإن انفردت فولكساغن VW في السنوات القليلة الماضية في إعداد نموذج بوغاتي فيرون الذي سينتج لبدء تسليمه خلال العام الحالي، بمحرك تتسع أسطواناته ال 16 ل 7993 سنتم مكعباً، والمركبة في وضعية W ليزدحم فيه 1001 حصان (بفضل أربعة أجهزة شحن توربيني)، مع عزم 1250 نيوتن متر، في نموذج سكستين أيضاً محرك بست عشرة أسطوانة V16، بزاوية 90ق، ولا تقلّ قدرته عن 1000 حصان/6000 د.د. مع عزم 1356 نيوتن متر/4300 د.د.، ودفع خلفي... طبعاً.
لكن في حين يتفوّق محرك فولكساغن (وهو كناية عن أربعة محركات كل منها بأربع أسطوانات) تقنياً بصماماته ال 64، مع أعمدة كاماته العلوية، يكتفي محرك سكستين بصمامين إثنين لكل أسطوانة، علماً بأنّ تصميم الأخير بصمامات علوية OHV يشغلها عمود كامات يقع بين شقّي المحرك (فوق العمود المرفقي، وليس فوق المحرك بالتالي)، وبواسطة أذرع دفع تقليدية، إنما يعكس بنية قديمة ولا تزال تتوافر في بعض عائلات المحركات بست أسطوانات V6، أو بثمان منها V8 كما في عائلة محركات فورتيك لدى جنرال موتورز، وهي عائلة مختلفة عن عائلة محركات نورث ستار ذات أعمدة الكامات العلوية DOHC.
لكن في استغلال جنرال موتورز محرك نموذج سكستين تحديداً رسالة أخرى تعبّر عن تصنيف زبائنها في فئات ثلاث، أولاها مهتمة أساساً بالصورة التسويقية التي يتمتع بها هذا المحرك أو ذاك (حجم المحرك أو قدرته الخام)، خصوصاً في الموديلات الرياضية الحادة (نحو واحد في المئة من زبائنها)، بينما تضمّ الفئة الثانية (عشرين إلى ثلاثين في المئة) أولئك الذين يضعون المواصفات التقنية المتقدمة (مثل أعمدة الكامات العلوية وغيرها) بين شروطهم الأساسية لشراء هذا الموديل أو ذاك، في حين يفضل زبائن الفئة الثالثة التي تضمّ الغالبية، أي أكثر من سبعين في المئة من الزبائن، الحصول على محرك رخيص الإنتاج وجيد الأداء والإستهلاك، بغضّ النظر عن حججه التقنية بالذات.
سعة متبدّلة
قد يرمي عرض نموذج سكستين بمحركه المذكور، إلى تلميع صورة بعض محركات جنرال موتورز التقليدية البنية (مثل فورتيك)، بعرضها تحديداً في إحدى أجمل واجهات السيارات وأغناها، مثل سكستين، للتذكير بأن أحدث التقنيات العصرية في المعادن والدقة الهندسية والتحكّم الإلكتروني، لا تتناقض إلزامياً مع بنية المحركات التقليدية، لا في القدرة ولا في الإستهلاك والنعومة.
في مطلق الأحوال، لم يلجأ محرك كاديلاك سكستين إلى أجهزة شحن توربيني لبلوغ أقصى قدرته وعزم دورانه... بل هو يعتمد الحل المعروف بزيادة سعة الأسطوانات بكل بساطة، إلى 13,6 ليتر، أو 13577 سنتم3 تحديداً، من قطر 105 ملم وشوط 98 ملم لكل من الأسطوانات ال 16، مع المحافظة على تقنية السحب العادي للهواء والتي لا يزال يعتبرها بعضهم أكثر "نبلاً" من تلك التي تلجأ إلى الشحن التوربيني أو المباشر لزيادة قدرتها، شرط المحافظة على مستويات إستهلاك مقبولة قياساً بحجم المحرك وسعته.
مع بنيته التقليدية، يتضمّن محرك سكستين أحدث تقنيات الإتصال الإلكتروني drive-by-wire بين دواسة الوقود ونظام البخ المتعدد المنافث، والإشعال المباشر بملف حث لكل شمعة إشعال، والتوزيع المتبدل لنمط فتح الصمامات (مصنوعة من التيتانيوم) وإغلاقها حسب سرعة دوران المحرك والضغط المطلوب منه، ما يسمح أيضاً بتبديل نسبة ضغط المزيج (تبلغ في محرك سكستين عادة 10,6 إلى واحد) نسبياً في غرف الإحتراق، إذ تسجل نسبة ضغط المزيج عند نهاية صعود المكبس في الشوط الثاني، قبل إشتعال المزيج (ومن شأن تبديل توقيت فتح الصمامات وإغلاقها التأثير على الضغط المذكور بالتالي)، إضافة إلى تقنية السعة المتبدّلة DOD، والتي تعني تشغيل العدد الملائم من الأسطوانات حسب السرعة والضغط المطلوب منه، ليعمل المحرك بأربع أسطوانات وكأنه محرك V4 سعته 3394 سنتم مكعّباً، أو بثمان منها وكأنه V8 سعته 6789 سنتم مكعباً، أو بالست عشرة معاً ك V16 وبسعة 13577 سنتم مكعباً، ومن دون شعور السائق بأكثر من تزايد القدرة عند التسارع، كأي محرك يستجيب فوراً ل "نداء" القدم اليمنى.

عصرنة البنية التقليدية
وتشير جنرال موتورز إلى أن تبسيط التصميم الهندسي الداخلي للمحرك، واعتماد الألمينيوم لقالبه وغطائه، سمحا بتصغير حجمه وتقليص عدد قطعه إلى ما يقلّ عن المطلوب لمحرك بثماني أسطوانات مع أربعة أعمدة كامات علوية، وتخفيف وزنه الصافي إلى 315 كلغ، أي بما يقلّ ب 29 كلغ عن وزن محرك فورتيك 8100 المستخدم في موديلات شيفروليه أفالانش وسيلفرادو وسابربان وجي.أم.سي يوكون.
ولعلّ في استخراج محرك سكستين 73,53 حصان في الألف سنتم مكعب، و99,6 نيوتن متر/1000 سنتم مكعب، أحد أبرز الأدلة على إمكان استغلال البنية التقليدية مع التقنيات الإلكترونية العصرية، لاستخراج نسب "مشرّفة" من القدرة والعزم، قياساً بسعة المحرك (وهي نسب تستخرج عادة مع تقنية الصمامات الأربعة لكل أسطوانة).
ويذكر طبعاً أن لدى جنرال موتورز، مثل معظم الصانعين الآخرين، تشكيلة من المحركات العصرية جداً، منها عائة محرك نورث ستار بثماني أسطوانات V8 مع أربعة أعمدة كامات علوية وأربعة صمامات لكل أسطوانة، ومحركات أخرى بأعداد مختلفة من الأسطوانات، وستصل إلى محرك ال V12 نورث ستار بسعة 7,5 ليترات وقدرة تزيد عن 500 حصان، مع 48 صماماً وأربعة أعمدة كامات علوية أيضاً، والذي عرض في نموذج سيين في العام الماضي، إحتفالاً بالذكرى المئوية الأولى لولادة كاديلاك.
لغة الألمينيوم
ثم تأتي هيكلية نموذج سكستين ب "رسالة" تقنية أخرى "لغتها" الألمينيوم هذه المرة، في البنية الهيكلية والألواح الخارجية، مع استغلال الفولاذ في بعض المواضع، ليبلغ الوزن الصافي 2270 كلغ، بما يشبه التذكير، كما في شأن المحرك، بموقف براغماتي يختار ما يلائمه من أي تقنية، من دون التقيّد بمواقف "مبدئية" (أي التكنولوجيا بدافع التكنولوجيا فقط) أو بالتزاحم التسويقي على نحو "من يزيد". أليس هذا ما تسعى علبة التروس الأوتوماتيكية ذات النسب الأمامية... الأربع (فقط) إلى قوله، بعيداً عن اللحاق بموجة العلب الأوتوماتيكية المنافسة بست نسب أمامية مثلاً؟ وعدا عن ألواح الألمينيوم والعجلات الكرومية البالغ قطرها 24 بوصة، مع إطارات مقياسها 265/40R24، يتضمن نموذج سكستين تشكيلة من أحدث التقنيات الآخذة في الإنتشار في أفخم السيارات، من المصابيح الأمامية والخلفية المتضمنة للمبات عاملة بغاز الكزينون وأخرى بالصمام الثنائي الباعث للضوء LED، إلى النظام الترفيهي القارئ لأقراص دي في دي DVD مع وسائل الإتصال المختلفة بواسطة خامس أجيال نظام أون ستار، وهي كلها من العناصر القابلة للتطوير والتعديل في حال إتخاذ قرار نقل النموذج إلى حيز الإنتاج.
ومثل بنيته الهيكلية وتقنية محركه، تحمل مقصورة سكستين بُعدَ الإختلاف الخاص بها، فلا تسخو بأرقى الجلود والأخشاب والمعادن التي لم تعد من النوادر فعلاً في صناعة السيارات، بل بجوها الوفي لتقاليد الماركة. فالتلبيس المعدني لوسائل التحكم المختلفة، وخصوصاً حجم تلك العدادات والأزرار التي لا تبحث عنها الأصابع طويلاً، تذكر كلها بهوية كاديلاك، في إطار عصري مطعم بلمسات كلاسيكية مختلفة، منها ساعة بلغاري المتجانسة تماماً مع الترقيم الكلاسيكي أيضاً لمختلف العدادات.
وإن لم تكن أمام نموذج سكستين دروس يتلقاها من مايباخ في جمال التصميم، أو من بوغاتي وبنتلي في عدد الأسطوانات أو تقنياتها أو في قدرة المحرك بالذات، فليس لديه أيضاً أي درس يتلقاه من رولز رويس لا الجديدة ببنيتها المصنوعة من الألمينيوم، مثله، ولا من رولز رويس القديمة... فكاديلاك كانت السباقة إلى إطلاق أول محرك ب 16 أسطوانة V16 في سيارة سياحية، في العام 1930، وكانت سعته آنذاك 7,4 ليترات، وقدرته 160 حصاناً، قبل إطلاق جيله الثاني في 1938 بسعة 7,1 ليترات وقدرة 185 حصاناً (توقف إنتاج تلك المحركات في نهاية الثلاثينات).
فهل تنتج جنرال موتورز نموذج سكستين، أو تترك للألمان وغيرهم (تفكر تويوتا بدخول هذا القطاع أيضاً) أعلى "المرتفعات" الاستراتيجية المشرفة على أكثر أصناف السيارات ربحاً... وأقوى "الفيتامينات" المنشطة لصورة أي ماركة تمسها من قريب أو من بعيد؟ بعض المسؤولين في كاديلاك لا يترددون في تحديد سعر النسخة التجارية النهائية بحوالي 300 ألف دولار أميركي.