مع بداية ستينيات القرن الماضي عشنا طفولة سعيدة في مجتمع تغلب عليه الطيبة والبساطة والنقاء
وكان بيت جدي يقضون الصيف في قرية وادعة جميلة أصلها قلعة أثرية عمرها أكثر من ألف سنة وكنت أقضي عندهم هذه الأشهر القليلة فكانت أسعد أيام عمري رغم أن الله من علي عندما كبرت بقضاء اجازاتي الصيفية في رحلات سياحية الى الكثير من دول العالم وما زلت ...لكنني لم ولن أجد أسعد من صيف بيت جدي في هذه القرية الوادعةو في ذاك الزمن الجميل ..
كانت تسكن في تلك القرية تسع عائلات فقط ما زلت أذكر أسماء بعضها :
- بيت أم طالب : وهي امرأة مسنة غادرها الزوج والولد الى غير رجعة
- بيت قمر الزمان : عندهم معصرة زيتون يدير رحاها حمار
- بيت أم مصطفى : كانت في العقد السادس من عمرها عندها بعض الدجاجات لسانها السليط جعلها مهابة الجانب
- بيت الحاج : يعملون في الحصاد خارج القرية
- بيت العبد : عندهم بقرتان مدللتان وحمار مظلوم
- بيت أبو أحمد الشيخ : استمع الى قصصه وبطولاته وصدق أو لا تصدق
كان رجال القرية يجتمعون كل مساء أمام مدخل بيت جدي لقضاء السهرة والنساء في غرفة المنزول المجاورة لمدخل البيت أما أنا وبقية الأطفال فكنا نجلس عند الرجال نستمع الى أحاديثهم وخاصة قصص بطولات أبو أحمد الشيخ ا لمزعومة عندما يرويها بطريقة مسرحية فكنت أتلقف من قصصه كل كلمة متمنيا لسهرة هذا الليل أن تطول وتطول لكنها لم تكن تتعدى صلاة العشاء..
وفي تلك السهرة يروي لنا هذه القصة فيقول :
في ليلة شتوية كنت عائدا من القرية المجاورة سالكا الدرب في قعر هذا الوادي > ويشير بعصاه الى واد عميق يقع تحت القرية < فرأيت عينين يخترق بريقهما ظلمة الليل الحالكة فأدركت أنه ضبع خطير فركضت باتجاهه لكنه هرب مني لكنني طاردته حتى وصلت الى أطراف القرية أما الضبع فقد استمر هاربا حتى دخل في تلك الغابة ...
الرجال يستمعون القصة ولكن كل واحد منهم على طريقته :
- فقمر الزمان داهمه النعاس وبدأت أجفانه تطبق على عينين غائرتين وتفتح
- خالد العبد يستمع باهتمام وكأنه أول مرة يسمع هذه القصة
- أبو علي الحاج يهز رأسه ويبتسم
- جدي يستفسر عن شكل الضبع وصوته
وفجأة شق صوت أم مصطفى عنان الفضاء مجلجلا > كانت تستمع من المنزول المجاور <
أم مصطفى تنادي : ياااااااا أبو أحمد
أبو أحمد يرد : ماذا تريدين
أم مصطفى : أنت أنت هجمت على الضبع ؟؟؟ها ها ها ها والله لو رأيت حمارا في هذا الليل لهربت منه...ضحك الجميع ما عدا أبو أحمد الذي نهض واتجه الى داره ضاربا الأرض بعصاه ولسان حاله يقول اللهم الضبع ولا لسان أم مصطفى ثم انفضت السهرة
الى هذه القرية الوادعة كان يأتي بائع القماش ربيع مع حماره ...وربيع هذا رجل أعمى يقوده في تجواله بين القرى حماره محملا بأتواب القماش وفوقهم ربيع أحيانا فاذا عطف ربيع على الحمار يمشي خلفه ولا يمتطيه أما الحمار فهو دائم العطف على ربيع يقوده في دروب ضيقة على سفوح جبال مرتفعة لو سار عليها انسان مبصر لهلع قلبه من خوف السقوط في الوادي بزلة قدم ...حالة تفاهم وتناغم مدهشة بين ربيع وحماره...
أربع قرى متقاربة يمر عليها ربيع وحماره حتى يصل قريتنا وما أن يدخل الحمارأية قرية حتى يتجه بكل ثقة ونشاط صوب ساحتها حيث يجتمع أهلها ليستعرض عليهم ربيع بضاعته ...>وللقصة بقية <
==الى الغد لأكمل لكم كيف كان أهل القرية يشترون من ربيع بضاعته ==
==