السيارات – على مدى السنوات الثلاث الماضية، قطعت المملكة العربية السعودية على نفسها التزامًا واضحًا وطموحًا بأن تصبح رائدة إقليميًا في تكنولوجيا أشباه الموصلات, وهي التقنية المعروفة باسم الرقائق الإلكترونية التي تستخدم بصورة مهمة في تصنيع السيارات. ويرتبط هذا الجهد ارتباطًا وثيقًا بالتحول الاقتصادي الأوسع في إطار رؤية السعودية 2030، التي ترسخ أشباه الموصلات ليس فقط كمجال صناعي جديد، بل أيضًا كركيزة استراتيجية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة وتقليل الاعتماد على عائدات النفط.
تتمحور طموحات المملكة العربية السعودية في مجال أشباه الموصلات حول استراتيجية منسقة تتماشى مع رؤية 2030. وتعطي الحكومة الأولوية للتقدم التكنولوجي والابتكار والتوطين الصناعي، مما يضع صناعة أشباه الموصلات في صميم أهداف التنمية الوطنية.
في مارس 2022، أطلقت المملكة العربية السعودية البرنامج السعودي لأشباه الموصلات (SSP)، وهو مبادرة أساسية لتعزيز قدرات تصميم الرقائق في البلاد وتوطين تطوير وإنتاج تقنيات أشباه الموصلات. كما يدعم البرنامج البحث الأكاديمي، وأدوات محاكاة وتصميم الرقائق في الجامعات، ويقدم خدمات تغليف واختبار وتوصيف الرقائق من خلال مختبر مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية.
وانطلاقًا من هذا الزخم، أطلقت المملكة العربية السعودية المركز الوطني لأشباه الموصلات (NSH) في عام 2024 باستثمار أولي قدره 266 مليون دولار. تهدف الخطة إلى جذب ما لا يقل عن 50 شركة لتصميم أشباه الموصلات بدون مصانع إلى المملكة العربية السعودية بحلول عام 2030، مما يُرسي الأساس لمنظومة تصميم نابضة بالحياة وموجهة نحو التصدير. يوفر المركز الوطني لأشباه الموصلات حوافز مالية مُحددة، ودعمًا تنظيميًا ، وبنية تحتية مصممة خصيصًا للشركات الناشئة في مجال أشباه الموصلات والشركات متعددة الجنسيات.
واعتبارًا من مايو 2025، هناك 20 شركة تعمل في مجالات تقنية متنوعة، مثل الذكاء الاصطناعي المتقدم، والأنظمة الكهروميكانيكية الدقيقة (MEMS). وفي منتدى أشباه الموصلات المستقبلية الذي استضافته جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST)، أعلنت المعاهد الوطنية للصحة (NSH) والهيئة السعودية للبحث والتطوير والابتكار عن إنشاء صندوق رأس مال استثماري بقيمة 500 مليون دولار أمريكي، تديره شركة Apex FundRock، لتوفير التمويل المبكر ودعم التطوير لشركات مختارة متخصصة في أشباه الموصلات بدون مصانع.
في المنتدى الوطني لمستقبل أشباه الموصلات الذي نظمته جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية/المملكة العربية السعودية، أعلن مدير شركة أشباه الموصلات الوطنية، نافيد شرواني، قائمة الشركات التي ستنشئ مكاتب لها في المملكة العربية السعودية.
وتعتمد طموحات المملكة العربية السعودية على قدرات مؤسستين بحثيتين من الطراز العالمي: جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وكلاهما يوفر البنية التحتية المتطورة لدعم البحث والتطوير في أشباه الموصلات والمجالات ذات الصلة.
في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، يضم مختبر التصنيع النانوي الرئيسي غرفةً نظيفةً بمساحة 2000 متر مربع، حاصلة على شهادة ISO الفئة 6، ومناطق عمليات حاصلة على شهادة ISO الفئة 5. يدعم هذا المرفق الأبحاث في أشباه الموصلات واسعة النطاق، والأنظمة الكهروميكانيكية الدقيقة (MEMS)، والفوتونيات، والأجهزة الطبية الحيوية، والإلكترونيات الدقيقة المتقدمة. مختبر أشباه الموصلات المتقدم في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية مُجهز بمفاعل ترسيب بخار كيميائي عضوي معدني، وأدوات متخصصة أخرى بالغة الأهمية لتطوير الأجهزة واسعة النطاق والأجهزة البصرية الإلكترونية.
وفي الرياض، تقود مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية جهود أبحاث أشباه الموصلات التطبيقية في المملكة من خلال المركز الوطني لكفاءة أشباه الموصلات. يوفر المركز أكثر من 3600 متر مربع من مساحات الغرف النظيفة لدعم تصميم الرقائق المحلية، والنماذج الأولية. وإدراكًا منها لأهمية ربط البحث بريادة الأعمال، أطلقت المدينة أيضًا برنامج “حاضنة الإشعال” (Ignition Incubator) المخصص للشركات الناشئة في مجال أشباه الموصلات في “ذا جراج”، أحد أكبر مراكز الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا في الشرق الأوسط. يضم “ذا جراج” أكثر من 300 شركة ناشئة، ويوفر بيئة دعم نابضة بالحياة تشمل التدريب، والوصول إلى المختبرات، وشبكة من المستثمرين لمساعدة هذه الشركات على النمو بسرعة.
تُركز المملكة العربية السعودية أيضًا على الصناعات التحويلية، وتتجه نحو التصنيع. ولهذا الغرض، ولد مشروع “آلات”. يدعم صندوق الاستثمارات العامة هذا المشروع بميزانية قدرها 100 مليار دولار، ويهدف إلى تحويل المملكة العربية السعودية إلى مركز تصنيع عالي التقنية.
ويتجاوز نطاق شركة “آلات” الرقائق الإلكترونية، إذ تتخصص في أشباه الموصلات، بالإضافة إلى الأجهزة الذكية، والتقنيات الطبية، والمعدات الصناعية، والبنية التحتية الذكية. رسالتها واضحة: استقطاب كبرى الشركات العالمية للإنتاج في المملكة العربية السعودية، مستفيدةً من الطاقة المتجددة بأسعار معقولة، وموقعها الاستراتيجي، واستثماراتها الضخمة في البنية التحتية والخدمات اللوجستية.
تُدرك المملكة العربية السعودية أن الموهبة هي جوهر أي استراتيجية ناجحة لأشباه الموصلات، ولذلك تُولي اهتمامًا بالغًا لتنمية رأس المال البشري. وتعمل المملكة العربية السعودية بنشاط على بناء الخبرات المحلية من خلال شراكات مع جامعات عالمية، وبرامج تدريب عملي، ومنح بحثية. وفي الوقت نفسه، تعمل المملكة العربية السعودية أيضًا على استقطاب خبراء عالميين في أشباه الموصلات للمساعدة في تدريب وتوجيه الجيل القادم من المهندسين والباحثين السعوديين.
لدعم الشركات العالمية التي تدخل سوقها، أطلقت المملكة العربية السعودية برنامجًا لتسهيل دخول الشركات. الفكرة بسيطة: إزالة العوائق وتمكين الابتكار من الترسيخ.
يدرك القادة السعوديون أن أشباه الموصلات صناعة عالمية. ويعتمد تطورها على التعاون الدولي، ليس فقط مع شركات تصنيع الرقائق الكبرى، بل أيضًا مع شركات أصغر متخصصة ذات قدرات فريدة. وهم يدركون أن أفضل الأفكار غالبًا ما تأتي من التعاون بين مختلف القطاعات، والشبكات غير الرسمية، وبيئات البحث المشتركة. وإذا كانت السنوات الثلاث الماضية مؤشرًا على شيء، فإن المملكة العربية السعودية لا تشارك فقط في سباق التكنولوجيا العالمي، بل تضع أيضًا الأسس اللازمة لتشكيل مستقبلها في المنطقة.
