آثر الرحيل بعد 95 عاما من كشف الحياة
مبدعو ومثقفو العالم يودعون محفوظ فارس الرواية
استسلم جسد الاديب العالمي نجيب محفوظ الواهن بعد مقاومة شرسة استمرت أسابيع قليلة في مرقده بمستشفى الشرطة بالعجوزة، كانت القلوب تدعو له بالشفاء والعيون تترقب في مختلف أرجاء العالم العربي لحظة خروجه معافى كالعادة من وعكاته الصحية، ولكنه لم يعد يتحمل مزيدا من الألم وآثر الرحيل . فغادرنا أديب نوبل العربي عن عمر يناهز 95 عاما، مخلفا وراءه تراثا ضخما من الإبداع الروائي والقصصي والمسرحي كان له ليس فقط فضل وصول أدبنا العربي إلي العالمية، بل كان له سبق التفرد في الإبداع الروائي وجعله ديوان العرب في العصر الحديث .
جاء مشهد الوداع باصطفاف المثقفين والمفكرين والمريدين وأصدقائه الحرافيش مهيبا أشبه بأحدى صور إبداعاته شديدة الدرامية، ليس فقط لأن أدبنا العربي فقد أحد قاماته الإبداعية والفكرية فحسب، ولكنه فقد أيضا قامة إنسانية طالما فاضت بالحب والتسامح وقمة التواضع الإنساني .
محفوظ كمبدع أصيل قبل ان تعرف نوبل طريقها إلى أدبه وتختار من بين مبدعين كثيرين في منطقة الشرق الأوسط عام 1988، كان علما وقطبا متفردا في سماء الرواية العربية، بل ان الرواية العربية الحديثة تنسب فنيا له، فقد أسس مدرسة الرواية العربية التي أخلص لها وتتلمذ فيها كبار المبدعين العرب المشهورين في الساحة.
اسمه الكامل هو نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد باشا حيث تعود أصول أسرته إلى مدينة رشيد على ساحل البحر الأبيض المتوسط .. ولد في حي الجمالية وهو أحد أحياء منطقة الحسين بمدينة القاهرة المصرية في 11 ديسمبر 1911 وأمضى طفولته في حي الجمالية حيث ولد فهو حي شعبي بسيط استلهم منه نجيب محفوظ أركان رواياته التي كتبها فصعد معها إلى آفاق الأدب الإنساني، انتقل نجيب محفوظ وعائلته من هذا الحي إلى العباسية والحسين والغوريه، وهي أحياء القاهرة القديمة التي أثارت اهتمامه في أعماله الأدبية وفي حياته الخاصة.
ينتمي محفوظ لوالده الموظف البسيط بإحدى الجهات الحكومية، ثم استقال واشتغل بالتجارة وكان له أربعة إخوة وأخوات، وعندما بلغ الرابعة من عمره ذهب إلى كتاب الشيخ بحيري، وكان يقع في حارة الكبابجي، بالقرب من درب قرمز، ثم التحق بمدرسة بين القصرين الابتدائية وبعد أن انتقلت الأسرة عام 1924 إلى العباسية، حصل هناك على شهادة البكالوريوس من مدرسة فؤاد الأول الثانوية.
حصل بعدها على إجازة في الفلسفة عام 1934 وأثناء إعداده لرسالة الماجستير وقع نجيب محفوظ فريسة لصراع حاد في نفسه بين متابعة دراسة الفلسفة وميله إلى الأدب الذي نمى شغفه به في السنوات الأخيرة لتخصصه بعد قراءات كثيرة لكبار الكتاب مثل العقاد وطه حسين ..
ونجيب محفوظ ممن تخرجوا في الثلاثينات من جامعة القاهرة بليسانس الآداب في تخصص الفلسفة، وسجل للحصول على درجة الماجستير قبل أن يقرر التفرغ تماماً للأدب كما هو معروف وقد بدأ بنشر مقالات وأبحاث فلسفية بسن مبكرة جداً أي عندما كان بالتاسعة عشرة تقريبا أي في عام 1930، واستمر ينشر حتى حلول عام 1945، متردداً بشدة بين اختيار الأدب أو الفلسفة حتى استقر تماماً على الإبداع الأدبي تاركا الفلسفة تتحدث عن نفسها في أعماله الأدبية العظيمة التي أوصل بها الأدب العربي إلى العالمية .
============================
ابتسم لابنته قبل توقف قلبه
وسط حصار امني مكثف بمستشفى الشرطة بالعجوزة فاضت روح الاديب العربي العالمي نجيب محفوظ الى بارئها في الساعة الثامنة و خمسة دقائق من صباح امس الاربعاء بعد أربعين يوما قضاها بالمستشفى متأثرا بفشل تنفسي حاد و ضغط دم منخفض ادى الى توقف القلب عن العمل .
وقد توافد منذ الصباح جموع الإعلاميين من الفضائيات العربية و الاجنبية بمستشفى الشرطة التي فرض عليها طوق امني و تم حجز الاعلاميين في غرفة لحين اعلان التفاصيل في المؤتمر الصحفي الذي عقد في الثانية عشرة ظهر أمس ، فيما سارعت زوجته الى منزله الكائن في حي الحسين لتنفيذ وصيته و ترتيب انطلاق جنازته الاولى من المكان الذي شهد طفولته و صباه .
و في المؤتمر الصحفي اعلن الكاتب محمد سلماوي رئيس اتحاد كتاب مصر نص الاتحاد لرحيل نجيب محفوظ علم مصر الخفاق الذي بعد حياة مليئة بالعطاء لقرابة قرن من الزمن عطاء رفع هامته و رفع هامتنا جميعا .
من جهته تحدث د . حسام موافي رئيس الفريق الطبي الذي باشر علاجه طوال فترة وجوده بالمستشفى مؤكدا ان زوجة الاديب الراحل هي التي رفضت نقله لتلقي العلاج خارج مصر ، خاصة بعد ان عرفت ان حالته لا تستدعي السفر للخارج و ان ما يتلقاه من علاج في مصر هو نفس ما كان سيتلقاه في الخارج.
و قال لا يجب ان ننسى عامل تقدم السن لدى الأديب الراحل و هي مرحلة سنية يفقد فيها الجسم معظم احتياطاته و قال إننا خلال الأسابيع الماضية كان جسم الأديب الراحل فاقد كل عناصر الطاقة و ان عمليات الإنعاش قد أفلحت مرتين و لم يكن بوسعنا ان تفلح في المرة الثالثة .
و لفت الى ان نجيب محفوظ ظل واعيا مدركا لمن حوله و ابتسم لابنته في الساعة السادسة بعد ظهر الثلاثاء قبل ان يتوقف قلبه عن العمل فيما كانت حالته النفسية طبيعية و متمسكا بالحياة غير ان المشكلة الأساسية التي كان يعاني منها هي منطقة الرئة حيث كانت اضعف مناطق جسمه نتيجة كثرة تدخينه للسجائر مما تسبب عنه فشل تنفسي حاد صاحبه هبوط في ضغط الدم ثم توقف القلب .
و كما فرض طوق امني بالمستشفى الذي يرقد به جثمانه في الغرفة التي كان يعالج بها كان هذا الطوق نفسه مفروضا حول شقته التي الكائنة بشارع النيل منذ حادث الاغتيال الذي تعرض له و منعوا دخول أي اعلامي من دخولها و بسؤال احد حراس الامن الواقفين امام شقته و يدعى محمد فتحي قال ليس بوسعنا سوى طلب الرحمة و المغفرة لفقيد مصر الغالي و مصيبتنا بفقده كبيرة لأننا كنا اكثر الناس التصاقا به نرافقه ليلا و نهارا فقبل مرضه الاخير كان نجيب محفوظ يذهب ليسهر قليلا في الباخرة فرح بوت ، أو في شيراتون المطار او محل فلابيو و فقدنا برحيله انسانا شديد الرحمة و الانسانية.
================================
جيران العم محفوظ: في الاعياد يذبح 8 عجول و12 خروفاً
: newWindow=openWin('PopUpImgContent2006083143744.htm','OkazImage','width=600,height=440,toolbar=0,location=0,directories=0,status=0,menuBar=0,scrollBars=0,resizable=0' ); newWindow.focus()"" target="_blank" rel="nofollow">
في جولة مع جيران نجيب محفوظ من البسطاء يقول فتحي تاضروس صاحب محل فاكهة و عصير بجوار منزله ان محفوظ نموذجا للانسانية و دمث الخلق شديد العلم و الثقافة عميق الانسانية و كان تواضعه رغم مكانته الكبيرة عربيا و عالميا محل احترامنا جميعا خاصة انه كان يحب الناس جدا» و يخدم من يحتاج المساعدة بكل نفس راضية و لا انسى عندما يأتي لشراء بعض الفاكهة و يجاذبني بخفة ظله بعض القفشات. خسرنا بموته انسانا مليئاً بالرحمة . اما حمدي فهمي عرابي ـ قهوجي ـ في المنطقة يقول تربيت في كنف عم محفوظ منذ ان جاء للمنطقة عام 1960 اعمل الشاي في الجراش و كنت طفلا صغيرا يحنو علي و يعطيني ملابس و يرسل لي من بيته اللحمة و الخضار . رحمه الله كان رحيما بالفقراء يساعد كل مريض على العلاج على نفقته و ساعد كثيرين من البسطاء بأمواله على أداء العمرة و الحج اما في الاعياد فكان يذبح ثمانية عجول و اثنى عشر خروفا لتوزع على الفقراء. و يتذكر عرابي كيف يستيقظ عم نجيب مبكرا فيتوجه الى منطقة الحسين ثم يذهب لعمله رحمه الله.أما بتعة فرج ابراهيم سليمان و هي صاحبة بوفيه شاي صغير على الرصيف الكائن خلف شقته فتقول: ان الاستاذ نجيب كان يخرج ليسير في الشارع و يمتع نظره بالنيل و يعدي علينا و يطلب الشاي و القهوة لكنه بعد محاولة اغتياله توقف عن النزول في الشارع و كانت محاولة اغتياله صدمة كبيرة لأنه كان كبير في السن و لا يتحمل طعنة الغدر و اتذكر كيف جاءه الرئيس مبارك للاطمئنان عليه بعد هذا الحادث رحمه الله كان راجل بتاع ربنا و يصلي الجمعة بجامع العجوزة خلف مستشفى الشرطة و كانت رحمته وصلت للقطط التي كان يعشقها و يربيها .
اما سليمان عبد الرزاق 65 سنة تاجر حديد فيقول اعرفه منذ 35 عاما ان اهم ما يميز عم نجيب عظمة خلقه و تواضعه كان يجلس معنا امام كشك ابو عاشور بجوار بيته و يسهر معنا و لما كنا نطبخ في رمضان طبق الفول و يشم رائحته يأتي ليأكل معنا بكل تواضع إنساني و رحمة . و يضيف كان عم نجيب محفوظ يحب أولاد حتته و يتدخل لحل مشاكلهم بشرط ان تكون مشاكل نظيفة سواء مشاكل واحد في عمله او مع جيرانه و حتى في اقسام الشرطة بشرط الا يكون ذلك في عمل يخل بالشرف او القانون و كثيراًً ما ساعد الفقراء و لما حصل على نوبل فرحنا له من قلبنا و كأن فوزه بها هو فوز لنا جميعا و ربنا يرحمه و يجعل مثواه الجنة و مصر خسرت برحيله كثيرا لأنه اعطانا الكثير .
=====================
أهم أعماله في الترجمة والرواية والقصة
(مصر القديمة-كتاب مترجم 1932)، (همس الجنون-مجموعة قصصية-1938)، (الأقدار-رواية-1939)، (رادوبيس-رواية-1943)، (كفاح طيبة-رواية -1944)، (القاهرة الجديدة-رواية-1945)، (خان الخليلي-رواية-1946)، (زقاق المدق-رواية-1947)، (السراب-رواية-1948)، (بداية ونهاية-رواية-1949)، (بين القصرين-رواية-1956)، (قصر الشوق-رواية-1957)، (السكرية-رواية-1957)، (أولاد حارتنا-رواية-1967)، (اللص والكلاب-رواية-1961)، (السمان والخريف-رواية-1962)، (دنيا الله-مجموعة قصصية-1962)، (الطريق-رواية-1964)، (بيت سيئ السمعة-مجموعة قصصية-1965).
(الشحاذ-رواية-1965)، (ثرثرة فوق النيل-رواية-1966)، (ميرامار-رواية-1967)، (خمارة القط الأسود-مجموعة قصصية-1969)، (تحت المظلة-مجموعة قصصية-1969)، (حكاية بلا بداية ولا نهاية-مجموعة قصصية-1971)، (شهر العسل-مجموعة قصصية-1972)، (المرايا-رواية-1972)، (الحب تحت المطر-رواية-1973)، (الجريمة-مجموعة قصصية-1973)، (الكرنك-رواية-1974)، (حكايات حارتنا-رواية-1975)، (قلب الليل-رواية-1975)، (حضرة المحترم-رواية-1975)، (ملحمة الحرافيش-رواية-1977)، (الحب فوق هضبة الهرم-مجموعة قصصية-1979).
(الشيطان يعظ-مجموعة قصصية-1979)، (عصر الحب-رواية-1980)، (أفراح القبة-رواية-1981)، (ليالي ألف ليلة-رواية-1982)، (رأيت في ما يرى النائم-مجموعة قصصية-1982)، (الباقي من الزمن ساعة-رواية-1982)، (أمام العرش-حوار بين حكام مصر-1983)، (رحلة ابن فطوطة-رواية-1983)، (التنظيم السري-مجموعة قصصية-1984)، (العائش في الحقيقة-رواية-1985)، (يوم قتل الزعيم-رواية-1985) .
(حديث الصباح والمساء-رواية-1987)، (صباح الورد-مجموعة قصصية-1987)، (قشتمر-رواية-1989)، (الفجر الكاذب-مجموعة قصصية-1990)، (أصداء السيرة الذاتية-1996)، القرار الأخير (مجموعة قصصية 1997)، صدى النسيان (مجموعة قصصية 1998)، (فتوة العطوف) .
==================================
[COLOR=red]أديب نوبل لم يغادر مصر.. وكل كتاباته بالقلم الحبر او الرصاص [/COLOR]
- ولد في القاهرة يوم 11 ديسمبر عام 1911 لاسرة تعمل بالتجارة رزقت بستة اطفال. وحصل على شهادته الجامعية من كلية الاداب بجامعة فؤاد الاول /القاهرة الان/ من قسم الفلسفة عام 1934 في سن الثالثة والعشرين.
- لم يسافر محفوظ خارج مصر قط وكان يكتب كل كتاباته بالقلم الحبر او الرصاص.
- في عام 1988 اصبح محفوظ الكاتب العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل للاداب وتسلمتها نيابة عنه ابنتاه لعدم سفره خارج مصر.
- وفي عام 1959 فرض الازهر حظرا على رواية (اولاد حارتنا). ونشرتها صحيفة الاهرام القاهرية كاملة رغم اعتراض كثير من رموز التيارات المصرية المحافظة ولم تطبع الرواية في كتاب داخل مصر الى الان.
لكن الكاتب اللبناني سهيل ادريس نشر /أولاد حارتنا/ في دار الاداب البيروتية التي يملكها وظلت النسخ تصل الى من يريد قراءتها في مصر بدون اثارة أزمات.
- في عام 1994 تعرض محفوظ لمحاولة اغتيال وطعن بالسكين لكن الشاب الذي دفعه متشددون لتنفيذ الجريمة أصاب الرقبة وترك الحادث أثره على يده اليمنى بعد ان اصاب السكين عصبا ومكث في المستشفى سبعة اسابيع كما اثر الحادث على برنامجه اليومي اذ اضطر للاستجابة لالحاح أجهزة الامن المصرية فلازمه أحد الحراس لحمايته.
=================================
النقاد: بحث في رواياته عن الطريق المفتقد للثورة
نجيب محفوظ: أتمنى لو أستطيع الكتابة بعد موتي
[COLOR=black] [/COLOR]
«لو كنت أعلم علم اليقين بأنني سأمارس الكتابة وأنجز ما لم أستطع إنجازه من أعمال على الأقل سأرتاح نفسيا». هــذه العبارة لمحفوظ نفسه تكشف بما لا يدع مجالا للشك كيف ان مكانة فعل الكتابة في نفسه وارتقائها مرتبة تماثل معنى وجوده على البسيطة، وكيف يرى فيها امتدادا لحياته في الدنيا وكم يأمل ان تمتد هذه الحياة بالكتابة في العالم الآخر.
هذا هو محفوظ الــذي يمثل ظاهرة فريدة في تاريخ الراوية العربية، فقد عالج الكتابة مبدعا مجددا ما يزيد على نصف قرن، وعبر الرواية من بدايتها الرومانسية التاريخية الى الواقعية الاجتماعية ثم الحداثة وما بعدها.
عاش محفوظ مفكراً متأملا، بحكم دراسته للفلسفة، واســع القراءة والإطلاع، ملتزما بقضايا الوطن وهموم المجتمع ومالكا لأدواته الفنية، جريئا في طرح رؤاه الفلسفية. والفلسفة هذه قادته للارتكان الى البحث الدائم عن الحقيقة والعيش فيها فلا غرابة إذن ان ينتصر للحارة الشعبية ويظل مسجلا لكافة ما يطرأ عليها من تغييرات. فيما تكتسب روايات محفوظ قيمة تاريخية كبرى من انها تسجل وجه الحياة في القاهرة قبل ان يلتهمها زحف الزحام والعشوائيات والأحداث السياسية.
بعيون النقاد
الناقدة د. فاطمة موسي أوضحت ان محفوظ يمثل نموذجا مصغرا لمراحل تطور الرواية لا في العربية فحسب، بل في غيرها من الروايات العالمية حيث بدأ رحلته الأدبية بالرواية التاريخية التي تمثل مرحلة الرومانسية وقصص المغامرات في تاريخ هذا الجنس الأدبي، ثم انتقل الى مرحلة الواقعية وتصوير حياة أفراد عاديين اتخذهم جميعا من أبناء المدينة والقاهرة خاصة ومن فئة البرجوازية الصغيرة المتطلعة لمن يعلوها في السلم الاجتماعي. وفيما استنفد محفوظ إمكانات الرواية الواقعية على مدار عشر سنوات فقد عبرها الى مرحلة ما بعد الواقعية التي لحق فيها بركب الرواية الحديثة في العالم وجعل من هذا الجنس الأدبي في العربية أداة فنية رائعة تنقل إلينا رؤاه وفلسفته التي تتناسب في تعقيدها معطيات العصر الذي نعيش فيه.
وقد تابع النقاد في الشرق والغرب ملامح وخصوصية تيار الواقعية لدى محفوظ، ومنهم المستشرق ج جوميه حيث قدم دراسة عن الثلاثية يوضح فيها ان شخصية محفوظ تختفي في الثلاثية أمام موضوعية الرواية، فهو روائي واقعي رسم الواقع رسما أمينا في قالب فني، وتبدو شخصياته نماذج بشرية شديدة التباين بين الملحد والمؤمن. كما يرى المستشرق جوميه، إن الثلاثية ليس رواية هادفة مقارنة برواية «الأرض «لعبد الرحمن الشرقاوي، فالثلاثية تسيطر عليها فكرة واحدة وهي التطور التاريخي وشبه الحتمي الذي يقتلع الكثير من التقاليد التي تدو راسية، ويقوض صروحا من العرف الاجتماعي كان يظن بها الرسوخ و الشموخ. فسطور الثلاثية تتقزز من الماضي وترغب في التخلص منه بقوة، فالتحرر من الاحتلال الاستعماري يجب ان يصاحبه أنواع أخرى من التحرر الفكري والاجتماعي. كما يرصد جوميه في دراسته النقدية، كيف جاءت رواية الثلاثية مفتوحة لا يعتبر ختامها نهاية لأبطالها لأنها صورت أزمة المخاض المصري لولادة مستقبل جديد والتخلص من الماضي العتيق، وتعتبر فيه الكرامة حجر الزاوية في سلوك الأفراد والأمة وهي تتطلع إلي يقظة كاملة تجعل حياتها الإنسانية ارقى وأعمق.
بقدر ما عرف عن محفوظ من انتصار شديد لثورة 1919 باعتباره ابناً باراً لتلك الفترة من تاريخ مصر حيث انه من مواليد 1911م وأدرك مبكرا ما تضمنته هذه الثورة من إيثار للقومية والديمقراطية لذلك فقد كان حزنه على رحيل سعد زغلول أعمق بكثير في حياته وهو ما عبر عنه محفوظ بقوله : «حزني على موت سعد زغلول زاد بكثير على حزني لموت والدي «، غير أن موقفه هذا لم يحل دون فهم ثورة يوليو ـ كما يقول الناقد مصطفى عبد الغني ـ مشيرا الى ان محفوظ قد اقترب من ثورة يوليو بوعي شديد وتعامل معها من منظور نقدي وليس عدائي.
ويلفت الناقد عبد الغني الى ان محفوظ قد استخدم في تلك الحقبة الزمنية التعبير بالرمز أو التصريح به كما انه في حقبة الستينات كان يبحث عبر أدبه عن الطريق المفتقد للثورة كما عبر عنه في روايات «اللص والكلاب، الطريق، ثرثرة فوق النيل و الشحاذ».
موقف محفوظ من ثورة يوليو نقده لممارستها هل يعني انه كان ضد فكرة القومية العربية ؟ الناقد مصطفى عبد الغني ينفي ذلك تماما ويستشهد في ذلك بما يقوله محفوظ نفسه : «الفكرة العربية قديمة عندي جدا واجزم ان الفكرة كانت في كياني متغلغلة في ثقافتي، ورغم ان أعمالي الأولى كانت فرعونية، فاني مواطن عربي وهذه هي المواطنة التي بدأت معي منذ ان وعيت على الدنيا، بمعنى ان التأثر بالأدب العربي جعلني أتأثر منذ نعومة أظافري بقومية عربية أدبية «. ويضيف محفوظ «أنا لم أكتب طوال تاريخي قط ضد العرب أو ضد القومية العربية، كما لم أكن عدوا لهذه الفكرة قط كما انني لم أجد هذه الفكرة تتناقض مع مصريتي».
ويرصد الناقد مصطفي عبد الغني موقف محفوظ من هزيمة يونيو 1967 موضحا ان محفوظ كان قد حذر من وقوع هذه الهزيمة حتى وقعت بالفعل، وان عبر عن هذه الهزيمة بأشكال فنية عدة ومنها أنه أول من استخدم صورة «العبث» الصارخ الكافكاوية القاتمة كما في مجموعتي «تحت المظلة» و«خمارة القط الأسود».
محفوظ والمرأة
الناقدة الدكتورة فوزية العشماوي ترصد في كتابها «المرأة في أدب محفوظ» ترصد مظاهر تطور المرأة والمجتمع في مصر المعاصرة كما صورها الأدب المحفوظي، فتشير الى ان محفوظ قد أعطى للمرأة ووضعها الاجتماعي اهتماما كبيرا في مقالة كتبها وهو لا يزال في التاسعة عشرة من عمره نشرها في مجلة السياسية الأسبوعية عام 1930 تحت عنوان «المرأة في الوظائف الحكومية» ويطالب فيه بتعليم الفتاة المصرية وان كان ينتقد بشده عملها في الوظائف الحكومية في بداية الأربعينات لأن ذلك يؤدي لزيادة البطالة بين الشباب كما يؤدي إلي انحلال الأخلاقيات في الدواوين الحكومية بالإضافة الى تفكيك الأسرة. وتضيف فوزية العشماوي ان محفوظ احتفظ بهذه الآراء الشبابية بعد ان أصبح روائيا مشهورا بالرغم من أنها تعتبر للوهلة الأولى متزمتة ومعادية للمرأة ولكنه عبر عنها في روايته الواقعية الأولى.وتوضح د. فوزية، أن محفوظ قد عني بتقديم نموذج المرأة الشعبية في رواياته وحصرها في ثلاثة نماذج «الخادمة»، و«العالمة»، و«البغي»، وهذه النماذج تبرز في الثلاثية على نحو جلي حيث ان بعض الشخصيات من هذه النماذج يقدمهن كعاهرات بالسليقة وانهن يجعلن من الرقص والغناء ستارا يحتمين خلفه لممارسة البغاء، وان كان نجيب محفوظ قد حرص على إبراز ان هؤلاء النسوة يسعين الى التوبة ويتعلقن برجل واحد في محاولة لإقناعه بالزواج، كما فعلت زنوبة العالمة مع ياسين في الثلاثية التي تزوجها رغم معارضة أبيه. أما نموذج المرأة البغي التي تمارس البغاء دون مواربة فيقدمها محفوظ على أنها تتمتع بالسمو والنبل والإيثار والأخلاقيات السامية التي تليق بالفضليات وان كانت الظروف الصعبة هي التي دفعتها لاحتراف البغاء.
وفي هذا السياق يقول محفوظ: «هناك منحرفات فاضــلات، ومنحرفات غير فاضلات، والواقع ان كثيرا من المنحرفات في رواياتي يرجــع انحرافهن إلي أسبـاب اجتماعية و المتهم وراءهن لــيس سلوكهن، بقدر ما هو المجتمع الذي نعيش فيه، ان الغالبية العظمي يرتكبن الإثم بسبب الفقر.. بسبب المجتمع».
وتكشف الناقدة فوزية العشماوي، عن ان محفوظ كان بارعاً في استخدام المرأة المومس وتسخيرها روائيا بان جعل منها أداة لكشف خبايا نفوس أبطاله الرجال من رياء وغش وكذب وفساد كما هو الحال في توظيف شخصية نور في رواية «اللص والكلاب». غير إن أفضل نموذج مشرق للمرأة قدمه محفوظ للمرأة ـ كما تقول د. فوزية العشماوي ـ كان شخصية «زهرة» في رواية «ميرامار».
وهي الشخصية التي قدمها بعد ثورة 1952 وهي المرأة التى اعتمدت على نفسها وسلكت طريقها في المجتمع مسلحة بالعلم والثقة بالنفس والأخلاق المستوحاة من ثقافتها و الدين الاسلامي.
======================================
عالمه زاخر بالصراع بين الخير والشر
وراء كل رواية لـ «محفوظ» .. أسئلة كبرى
[COLOR=black] [/COLOR]
ان كل أدب عظيم يكون محليا وعالميا في الوقت نفسه ومن الجهة نفسها لأن العمل الفني أو الادبي ينشآن في اطار زمني ومكاني شديد الخصوصية ويكون له طابع خاص أشبه بسحنة الشعوب التي لا تخطئها العين ويحمل روحها ورائحة العمل تتجلى دائما في مكان وتاريخ وحضارة واسلوب في رؤية العالم وفي نسق من القيم ايضا وهذه الخصوصية يتم تكثيفها في عمل كل أديب على حدة وبالتالي فإن فكرة العالمية
لا تعني مجرد انتشار العمل خارج حدود اقليمه أو موطنه بسبب جائزة أو دعاية أو اعلام أو ما شابه ذلك وهذا ما يدفعنا باستمرار في التفكير حول السر وراء انتشار عمل أدبي أو ابداعي من دون آخر على الرغم من انه قد يكون اقل قيمة وهو ما يعني ان مسألة الانتشار لا تجسد لنا معنى عالمية الادب لأن العالمية كما افهمها هي قدرة باطنية في العمل الادبي تنبع من داخله وتجعله قابلا للتوصيل والتواصل مع الناس على اختلاف مواطنهم وجنسياتهم وخصوصياتهم وما يتم توصيله في هذه الحالة هو طابع انساني عام أو دلالة انسانية كلية يفهمها الانسان في كل زمان ومكان وهذا الطابع العام لا يمكن ان يتكشف لنا بما يعني ان العالمية هي اسلوب في الرؤية الفنية قادر على تمثيل طابع انساني عام.
دلالة انسانية
والسؤال هو: كيف يمكن ان نطبق هذه المفاهيم على ادب نجيب محفوظ؟، ونجيب: ان ما نسميه دلالة انسانية كلية هو ما نطلق عليه تبسيطا بالفلسفة التي تعني بالكلي منذ افلاطون وحتى الان والذي اطلق عليه افلاطون، البحث عن الواحد فيما يكون مختلفا، والواحد الذي كان يقصده افلاطون هو الكلي او الوجهة الكلية وفي اعمال محفوظ نجد مثل هذه الدلالات والمعاني الكلية الفلسفية المتعلقة بالوجود الانساني باعتباره مهموما بالتساؤلات الكبرى الكلية وموقفنا منه وموقفنا من الوجود وعن الرغبة التي لا تهدأ ولا ترتاح كما يقول شوبنهاور وربما يكون هذا هو السر وراء الظلال التشاؤمية الميتافيزيقية في رواياته في الاسترابة (الشك) التي لا تهدأ ولا ترتاح والشقاء الذي يرتبط بهذه الرغبة والصراع والتطلع الطبقي، وما يترتب عليه من تغير في انساق القيم والصراع المستمر بين الخير والشر والذي لا يتوقف حتى داخل النفس الانسانية الواحدة والسؤال الدائم عن معنى الخير ومعنى القيمة ومعنى الايمان وكل هذه تساؤلات فلسفية ودلالات وقضايا انسانية كلية نجدها ماثلة في ادب نجيب محفوظ وفي كل ادب عظيم، لذلك فانا اختلف مع النقاد الذين شغلوا انفسهم كثيرا بمسألة التصنيف والتقسيم الى مراحل تاريخية واجتماعية وفلسفية وغيرها.
(*) استاذ الفلسفة بجامعة القاهرة
====================================
وشكراُ اختي ريما
والشكر موصول لآخي وسيع الصدر
اخوكم السبع